السيد محمد تقي المدرسي

284

من هدى القرآن

يصدر عنهم على محمل الصدق والصواب . الثانية : التقليد الأعمى للآخرين ، قال العلامة الطبرسي مُعلِّقا على الآية : وفي هذا دلالة على أنهم كانوا مُقَلِّدة حتى سمعوا الحجة ، وانكشف لهم الحق فرجعوا عما كانوا عليه ، وفيه إشارة إلى بطلان التقليد ، ووجوب اتباع الدليل ] « 1 » . وكلتا الصفتين نتيجة لإلغاء دور العقل وفقدان الاستقلال بالتوافق مع تيار المجتمع والتبعية العمياء له . إلا أن القرآن الذي أنزله الله لإثارة دفائن العقول فجَّر فيهم لما استمعوا آياته كوامن قدراتهم ، العقلية والروحية ، وخلق في أنفسهم إرادة التحرر من أغلال السذاجة والجهل والتبعية ، وإرادة التحدي للانحراف بكل كيانه قيما ( السفه ) وأشخاصا ( السفهاء ) . إن مشكلة الكثير من الإنس والجن أنهم يتخذون الأشخاص لا القيم مقياسا ، فمتى ما ضلَّ أولئك وانحرفوا ضلوا وانحرفوا معهم ، في حين يجب أن تكون القيم هي المقياس ، لأنها الضمانة الأصيلة والوحيدة لمعرفة الحق والاستقامة على هداه . وفيما يتصل بالكذب تهدينا الآية إلى أن الإنسان يرفضه ويستقبحه بالفطرة بحيث لا يتصور أن أحدا يجرؤ على التورط فيه ، وهذا ما يجعله فريسة للكذابين المرة بعد الأخرى . [ 6 - 10 ] ثم يحدثنا النفر بآية محورية عن التظاهر بين بعض الإنس وبعض الجن على الباطل ، بوصفها صورةً من صور الشرك لدى بعض أبناء حواء ، حيث الهالة الكبيرة من الأساطير والأوهام تدعو البعض إلى الاعتقاد بأن الجن قوى خارقة لديها العلم والقدرة المطلقين ، مما يحدو بهم إلى الاتصال بالجن وطلب العون منهم . ويجهلون أن الأمر على العكس ، يضيف جهلا إلى جهلهم وتعبا إلى تعبهم ، إلى حد الرهق الشديد « وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً » ، والرهق : الغشاوة ، وقيل للتعب الشديد إرهاق لأنه يعلو المرهق كالغشاوة فلا يكاد يبصر بقلب ولا بعين . وإذا كان المعنيون بالآية كل من غرتهم خرافة الاستعاذة بالجن وتعظيمهم فإن الكهنة والسحرة ومن يتصل مباشرة بالجن مخصوصون بقول : « رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ » أوليسوا يستعينون بهم في الشعوذة وسحر أعين الناس والكهانة ؟ ! . ولأن الجن ليسوا - كما يتوهم هؤلاء الرجال - يعلمون كل شيء ، ويقدرون على صنع المستحيل ، فإنهم يزيدونهم رهقا في أبدانهم وأنفسهم ، وضلالا عن الحق باتباع أخبارهم الكاذبة ، وخوض اللجج اعتمادا على وعودهم التي يعجزون عن الوفاء بها . أما من جانب الجن فلعلهم كانوا كرجال الإنس يتمادون في الغي والضلالة ، حيث يُكْبِرون أنفسهم ، ويتوهمون

--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 467 .